محمد جواد مغنية

303

في ظلال نهج البلاغة

وخلوات يحاسبون فيها أنفسهم : هل تركت واجبا ، أو ارتكبت محرما . ويشهدون عليها بالكسل والتقصير في جنب اللَّه والحق ، ويعنفونها بكل جارح ومؤلم . . وما أخذت المسكينة من الدنيا شيئا ، ولكن مطامح الأتقياء إلى الفوز برضوانه تعالى ليس لها حد محدود ، ومن أجل هذا يستجيرون بكرم اللَّه أن يرحم ويغفر ، ولا شك ان هذا الطموح والحساب الدقيق مصدره الخوف من سواد الوجه عند اللَّه ، ولا مصدر لهذا الخوف إلا العلم باللَّه وعظمته . ولعلمهم باللَّه وخوفهم منه ( قد حفت بهم الملائكة ) . هذا كناية عن عظيم منزلتهم عند اللَّه وملائكته ورسله وخالص المؤمنين ( تنزلت عليهم السكينة إلخ ) . . المراد بالسكينة هنا الاطمئنان والرحمة والكرامة والنعمة ، وبكلمة واحدة : السعادة كما هي عند اللَّه ، والمعنى ان من يعيش ويحيا في الإيمان باللَّه وحده ، ويلتزم بهذا الإيمان في جميع أقواله وأفعاله كهؤلاء العارفين ، ان من كان كذلك لا بد أن ينتهي إلى السكينة بالمعنى الذي أشرنا اليه ( فرضي ) اللَّه ( سعيهم ) لأنه خالص لوجهه الكريم ( يتنسمون بدعائه روح التجاوز ) عن تقصيرهم فيما كانوا يطمحون اليه من طاعة اللَّه ومرضاته . ( رهائن فاقة إلى فضله ) أي يشعرون بالحاجة إلى رحمة اللَّه تعالى مهما عملو واجتهدوا ( وأسارى ذلة لعظمته ) لا يرون لهم حولا ولا قوة إلا باللَّه وحده ( جرح طول الأسى إلخ ) . . يحزنون ويبكون خوفا من الحساب والجزاء ( لكل باب إلخ ) . . يقرعون كل باب ، ويسلكون كل سبيل يوصلهم إلى اللَّه سبحانه ( يسألون من لا تضيق عليه إلخ ) . . يسألون من عنده خزائن الأرض والسماوات . ونيل المطالب والحاجات ، ويستغنى به ، ولا يستغنى عنه ، وتقدم مثله في الخطبة 89 . حاسب نفسك : ( فحاسب نفسك لنفسك ، فإن غيرها من الأنفس لها حسيب غيرك ) . ما لك ولعيوب الناس وأخطائهم . وهل أنت في عصمة من الخطأ والخطيئة ، أو أنت وكيل على غيرك وحسيب واللَّه سبحانه يقول لسيد الكونين : * ( « وَما